من شعــــراء العـــــراق
العراق أرض الحضارات السامقة والحدائق المعلقة والرسالات التي تدعو إلـى الهدى
والتاريخ المتربع على الكرة الأرضية ، وسر العراق في دجلة والفرات وأيضاً الإنسان
قلق الإنسان العراقي وجعله غير مستقر وقد عبر عنها أبو الطيب المتنبي الشاعر الكبير
دائما يتطلع في الفضاء لعوالم آخرى جديدة بها لا نعم بينهما نعم لا أنفة الموقف وموقف
الاستكبار ، في خضم هذا كله يتشكل من ألوان مختلفة وألسنة متعددة .
من هذا التشكل أخرج لنا العراق شاعر يجمع فلسفة العراق بين جنبيه ويجمع لسانه بين
الألسن المتعددة شاعرنا مربي في فيلسوف وشاعر في سياسي واجتماعي في شاعر
أنه الشاعر معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري البغدادي ولد عام 1875 في الرصافة
رصافة الشاعــر علي بن الجهم صاحب القصيدة الذائعـــة : " عيون المها بين الرصافة
والجسر " ، وقد نزح أجداده من كركوك إلى مدينة العلم والأدب بغداد وتلقي بأحد مدارس
الرصافة العلم ، ثم أنتقل إلى المدرسـة الــرشيدية العسكرية ولازم العلامة محمود شكــري
الألوسي قرابة اثنتى عشرة سنة تتلمذ وتعلم عليه .
والألوسي هو صاحب كتاب " بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب " ويعتبر هذا الكتاب أول
دراسة في علم البشر عن العرب .
وقد عمل معروف الرصافي بالتعليم برهة من الزمن ومن ثم أنتقل إلى تركيا بعد الانقلاب على
الدستور واستقر في الاستانة وعمل هناك بالصحافة ، وأصدر جريدة عربية باسم " سبيل
الرشاد " وعاد وزاول مهنة القديمة التعليم ، فعمل في المدرسة الملكية أستاذاً للغة العربية
وفي مدرسة العالية ، ومدرسة الواعظين التابعة لوزارة الأوقاف وتزوج في الاستانة من فتاة
تركية وهناك لبس العمامة والجبة التركية .
وحين رجع إلى بغداد عين نائباً عن لواء المنتفق في مجلس المبعوثات [ البرلمان العثماني ]
واقام على ولائه للسلطنة العثمانية ، حتى إن وقعت الحرب العالمية الأولى تحول وعاد إلى
عروبته ، وفانصرف إلى التغني بأمجاد العرب حيث قال :
والعُرب أكبر أمة مشهـورة بفتوحها وعلــومها وبيانها
كم قد أقامت للعلوم مدارساً يعيا ذوو الإحصاء عن حسبانها
وبنت بأقطار البلاد مصانعاً تتحــــــير الأفكار فـــي بنيانهـــا
وانتقل الشاعر معروف الرصافي إلى دمشق وعين منها أستاذاً للأدب العربي في دار المعلمين
بالقدس ، وعاد عام 1921 م إلى العراق وعين نائباً لرئيس دائرة الترجمة والتعريب في
المعارف ، ثم مفتشاً للدروس العربية ، ثم رئيساً للجنة الاصلاحات العلمية ، واختير عضواً
في المجمع العلمي بدمشق .
وكعادة العظماء لا تستقر بهم الحال فخرج من العراق إلى بيروت ثائراً مغاضباً فقال :
قد طال شكواي من دهر أكابدهُ أما أصادف حـــراً فيه يشكـينـي
كأنني في بلادي إن نزلت بهــا نزلت منها ببيت غير مسكــــون
حتى متى أنا في البلدان مغترب نوائب الدهـــر بالأنياب تدمــينـي
ما كنت أحســب بغداداً تحلتنـي عن ماء دجلتها يــوما وتظــمينـي
حتى تقلد فيها الأمـــر زعنفـــة من الأناس بأخـــلاق الســـراحين
علام أمكث فــي بغداد مصطبراً على الضراعة في بحبوحة الهون
لأجعلن إلــــى بيروت منتسبــي لعل بيروت بعــد اليـــوم تؤوينـــي
وهنا يظهر على الشاعر معروف الرصافي مدى تأثير أبو الطيب المتنبي عليه وعلى شعره
وأيضاً على سلوكه النفور والجموح والتنقل بين المناصب والأعمال والبلدان كحالة من حالات
رجال العراق البارزين ،وهذه المزاجية لدى الرصافي والتقلب وعدم الاستقرار في مزاج
العراقيين عامة ، كما اشار على ذلك بعض الباحثين منذ عصر الإسكندر إلى أواخر الدولة
العباسية ، لكن معروف عاد إلي العراق وأصدر جريدة يومية " الأمل " عام 1923 م .
وقد خاض الحياة السياسية فاختير عضواً في مجلس النواب واستمر نائباً طيلة ثمانية أعوام .
وعاش الرصافي بعد هذه الجهد الكبير في حي الأعظمية ببغداد ، إلى أن قضى نحبه في عام /
1945 م بعد حياة حافلة بكل أنواع الكفاح ، وقد رمي الرصافي في حياته بالزندقة لإيغاله في
اللذائذ وإقباله على اللهو والليالي الحمراء في بيروت الصاخبة ، وهي هي السر الكامن وراء
اضطرابه وعذابه في حياته المادية ، والفلسفة والفكر الخارج عـــن المألوف هي الأمر الآخر
الذي جعل البعض يتهمه بتلك التهمة فقد قال :
أحب صراحتي قــولاً وفعـــلا وأكره أن أميل إلى الـرياء
ولست من الذين يرون خيراً بإبقاء الحقيقة فـــي الخفاء
ولا ممن يرى الأديان قـامت بوحــــــي ٍ منزل للأنبيـــاء
ولكن هـــن وضــع وابتداع من العقـــلاء أرباب الـــدهاء
ولست من الألى وهموا وقالوا بأن الروح تعــــرج للسمـــاء
لأن الأرض تسبح في فضاء وما تلك السماء سوى الفضاء
وهناك وجه للشبه بين فلسفيات أبي العلاء المعري وفلسفيات الرصافي تدخلهما دائرة الشك
وهذا يدل على الرصافي حذا حذو المعري في التأملات الكونية والفكرية ، وإن كان أبي العلاء
المعري أعلى شأناً وفكراً وتأملاً من الرصافي المقلد له.
وقد حاول الرصافي أن يستخدم الشعر وسيلة إلى غايات وأهداف إنسانية نبيلة في المجال
الاجتماعي كمحاربة الفقر ، ورعاية الأيتام ، والقضاء على الجشع ، ونشر العلم في البلاد ،
تهذيب النفوس ، نبذ الخلافات المدمرة للمجتمع العراقي .
وفي هذا المجال تتغلب العاطفة على الشاعرية لدى الرصافي فيميل إلى النظم والألفاظ غير
الشعرية وهنا تختفي الموسيقى والخيال المجنح الباحث عن الأمل ، لأنه مال إلى وصف
الحقيقة بالحقيقة ولم يصف الحقيقة بالخيال تأمل في وصفه لسجن بغداد حيث قال :
زر السجن في بغداد زورة راحــم لتشهد للأنكاد أفجـــع مشهــد
مربـــــع ســــور قد أحـــاط بمثله محيط بأعلــى منه شيد بقرمد
وقـــد وصلــوا ما بين ثان وثالث بمعقود سقف بالصخور مشيد
هكذا أجرى الناقد مارون عبود عملية استكشاف وفحص لشعر الرصافي تحت المجهر الفني
حيث ذهب الناقد مارون عبود إلى تأثير البيئة التي نشأ فيها الشاعر على شعره .
وانصراف الرصافي إلى شؤون الحياة العملية من تعليم وسياسة واجتماع ، وهي التي يغلب
عليها سيطرة الفكر ،ويضيق فيها مجال العاطفة الإبداعية والخيال .
وتأثر الشاعر بأبي العلاء المعري والشاعر جميل الزهاوي في كثير من شعره عن الكونيات
والفلسفات ، والنفس ، والمصير والاجتماع البشري من ذلك قوله :
وربة أخـــــــــلاق يراهــا خبيثة أناس وعند الآخرين تطيب
وحلم الفتى عند الضعيف فضيلة ولكنــــه عند القــوي معيب
وما رامه الناقد مارون عبود هو الشعر الاجتماعي وليس على الاطلاق في جميع شعر
الرصافي فله كثير من القصائد الجياد التي تغنى بها للعراق والحب وحتى في الكونيات
فأستمع إليه يصدح في القطار :
تذكرتُ في أوطاني الأهل والصحبا فأرسلت دمعـــا فــــاض وابله ســـكبـا
وبت طريد النـــوم أختلــس الكرى بشاخص طرف في دجى يرقب الشهبا
كئيب كأن الدهـــر لــم يلــق غيره عـــدواً فـآلـــــــى أن يهـــادنه حــــربا
يقل كروباً بعضها فـــوق بعضهـا إذا مــا رمـى كــرباً رأى تحتــه كـــربـا
وفي الغروب يحدث شمس الأصيل وهي تدنو إلى المغيب رويداً رويدا فيقول :
نزلت تجر إلى الغــروب ذيـــولا صفراء تشبه عــاشقاً متبـولا
تهتـز بين يــد المغـــيب كأنــــها صب تململ في الفراش عليلا
ضحكت مشارقها بوجهك بكــرة وبكت مغاربها الدمـــاء أصيلا
مذّ حان في نصف النهار دلوكها هبطت تزيد على النزول نزولا
قد غـــادرت كبد السمـــاء منيرة تدنـــو قليــــلا للأفـــول قليـــلا
وللشاعر معروف الرصافي آثــار أدبية لا تقتصر على الشعر وحده فله مؤلفات شعرية ونثرية
وهي : الأناشيد الوطنية ، وتمائم التربية والتعليم ، ونفح الطيب في الخطابة والخطب ،
دروس في آداب اللغة العربية ، ورسائل التعليقات ، وعلى باب سجن أبي العلاء وهو رد على
الكاتب طه حسين في كتابه " مع أبي العلاء المعري " ، نمو اللغة العامية العراقية ، ورواية
" الرؤيا " ترجمة عن التركية ، دفع الهجنة في اتضاح اللكنة وهو دراسة للألفاظ التركية
التي أصلها عربي ، وكتاب في عالم الذباب للرد على الكاتب فائق شكري ، الرسالة العراقية
وآراء أبي العلاء المعري ، الشخصية المحمدية أو اللغز المقدس ، كتاب الآلة والأداة .
وكتاب رفع المراق في لغة العامة من أهل العراق .